محمد حسين هيكل
60
حياة محمد ( ص )
الألوان من ورائها الأحراش والغابات الخضر والأنهار ذات اللون الفضيّ . ومع ما كان من انصراف شيرويه إلى مسرّاته ، ظلّت فارس محتفظة بمجدها ، وظلت المنافس القويّ لسلطان بزنطية ولانتشار المسيحية ، وإن آذن اعتلاء شيرويه عرشها بأفول هذا المجد ومهّد المسلمين من بعد غزوها ونشر الإسلام فيها . انهيار سد مأرب هذا النزاع الذي كانت اليمن مسرحه منذ القرن الرابع المسيحي كان عميق الأثر في تاريخ شبه جزيرة العرب من جهة توزيع سكانها : فلقد قيل إن سدّ مأرب الذي غيّر الحميريون الطبيعة به لفائدة بلادهم ، قد طغى عليه سيل العرم فحطمه ؛ لأن هذه المنازعات المستمرة صرفت الناس وصرفت الحكومات المتعاقبة عن تعهّده والاستمرار في تقويته ، فضعف فلم يقو على صدّ هذا السيل . وقيل : إن ملك الروم لمّا رأى اليمن موطن نزاع بينه وبين فارس ، وأن تجارته مهدّدة من جرّاء هذا النزاع ، جهز أسطولا يشقّ البحر الأحمر ما بين مصر وبلاد الشرق البعيدة ليجلب التجارة التي تحتاج إليها بزنطية ، ويستغني بذلك عن طريق القوافل . ويذكر المؤرّخون واقعة يتفقون عليها ويختلفون في السبب الذي أدّى إليها . هذه الواقعة هي هجرة أزد اليمن إلى الشّمال ، فكلهم يقول بهذه الهجرة ، وإن نسبها بعضهم إلى إقفار كثير من مدائن اليمن بسبب اضمحلال التجارة التي كانت تمر بها ، وعزاها آخرون إلى انقطاع سد مأرب واضطرار كثير من القبائل إلى الهجرة مخافة الهلاك . وأيّا ما كانت الحقيقة فهذه الهجرة هي السبب في اتصال اليمن بسائر العرب ، اتصال نسب واختلاط ما يزال الباحثون يحاولون اليوم تحديده . نظام شبه الجزيرة الاجتماعي إذا كان النظام السياسي قد اضطرب في اليمن على نحو ما رأيت بسبب الظروف التي مرّت بلاد الحميريين بها ، والغزوات التي كانت تلك البلاد ميدانا لها ، فقد كان هذا النظام السياسي غير معروف في سائر بلاد شبه الجزيرة . وكل نظام يمكن أن يوصف بأنه نظام سياسيّ ، على المعنى الذي نفهمه نحن اليوم أو الذي كانت الأمم المتحضرة تفهمه في تلك الأيام ، كان مجهولا في ربوع تهامة والحجاز ونجد وتلك المساحات الشاسعة التي منها كانت تتكون بلاد العرب . فقد كان أبناؤه ، كما لا يزال أكثرهم حتى اليوم ، أهل بادية لا يألفون الحضر ، ولا يطيب لهم المقام ولا الاستقرار بأرض ، ولا يعرفون غير دوام الارتحال والنقلة طلبا للمرعى وإرضاء لهوى نفوسهم التي لم تعرف غير حياة البادية ولا تطيق حياة غيرها . وأساس حياة البادية ، حيث وجدت من بقاع الأرض ، إنما هي القبيلة . والقبائل الدائمة التّجول والتّرحال لا تعرف قانونا كالذي نعرف ، ولا تخضع لنظام كالذي نخضع له ، ولا تصبر على ما دون الحرّية كاملة للفرد وللأسرة وللقبيلة كلها . وأهل الحضر يرضون النزول باسم النظام عن جانب من حريتهم للمجموع أو للحاكم المطلق مقابل ما ينعمون به من طمأنينة ورخاء . أمّا رجل البادية الزاهد في الرخاء ، البرم بطمأنينة الاستقرار ، فلا يخدعه عن شيء من حريته الكاملة رجاء فيما يفرح به أهل المدن من جاه أو مال ، ولا يرضى بما دون المساواة الكاملة بينه وبين أفراد قبيلته جميعا وبين قبيلته وغيرها من القبائل . وإنما ينتظم حياته ما ينتظم سائر الخلق من حب البقاء والحرص عليه والدفاع عنه ، على أن يكون ذلك كله متفقا مع قواعد الشرف التي تمليها عليه حياة البادية الحرة لذلك لم يكن أهل هذه البادية يقيمون على ضيم يراد بهم ، بل كانوا يدفعونه بقوتهم ، فإن لم يستطيعوا دفعه تخلوا عن مواطنهم وارتحلوا عن شبه الجزيرة كلها إذا لم يكن من هذا الارتحال بدّ . ولذلك لم يكن شيء أيسر عند هذه القبائل من القتال إذا نبت خلاف لم يتيسّر في ظلال قواعد الكرامة والمروءة والشرف الفصل فيه .